أحمد بن أعثم الكوفي
364
الفتوح
قسطنطينية خائفا مرعوبا ، فلم يزل كذلك حتى مات بحسرتنا ، ثم قال من بعده قسطنطين ، فقد بلغك ما نزل به منا وإنا قتلنا أصحابه في البحر وأخذته الرماح وأثخنته الجراحات ، حتى صار إليكم وشمتم به ، فهذه قصتنا وهذه حالتنا ، فلم تسألنا عن أمرنا كأنك لا تعرفنا أو كأنك جاهل بما لقيتم منا . قال : فتبسم صاحب سقلية ثم قال : صدقت ، نحن قتلناه ، لأنه خرج بالروم في أيام ريح عاصفة فأهلكهم في البحر ، ثم نجا وصار إلينا ، فلم نحب أن يرجع إلى أهله سالما حتى توتم أهله منه وولده كما أيتم الروم ، قال : ثم التفت صاحب سقلية إلى صاحب قيسارية فقال : ما يخفى على العرب شيء من أمرنا ؟ فقال : نعم أيها الملك ، وكذلك لا يخفى علينا شيء من أمورهم . قال : ثم أقبل صاحب سقلية على المسلم فقال : خبرني الآن عنكم لماذا قصدتمونا في مثل هذا البحر ؟ فقال له المسلم : قصدناكم لندعوكم إلى أن تدخلوا في الاسلام وتأمنوا على دياركم وأموالكم ، ونولي عليكم رجلا منكم تقيمون الصلوات الخمس وتصومون شهر رمضان وتحجون البيت الحرام وتؤخذ الصدقة من أغنيائكم فترد على فقرائكم ، فإن أبيتم الدخول في ديننا فاقبلوا عهدنا وذمتنا وأدوا الجزية إلينا وقروا في دياركم آمنين ، فإن أبيتم ما عرضناه عليكم فقد أنذرناكم وأعذرنا إليكم ، فاعلموا أن ما بيننا وبينكم إلا السيف ، فإن قتلنا كنا على بينة من ربنا ، إنا في الجنة وأنتم في النار وأظفرنا بكم ، فذاك ما وعدنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . قال : فقال صاحب سقلية لترجمانه : قل له الآن عني إنك تكلمت وقلت ما أردت فذرنا حتى نتكلم بما نريد ، فقال المسلم : قل ما تشاء ، فقال : قل له عني : إنكم قد اغتررتم بأنفسكم بغزوكم إيانا في مثل هذا البحر وظننتم أن سقلية إنما هي كمدائن الروم التي افتتحتموها من قبل ، وليس الامر كما تقولون ولا كما ظننتم ، إن سقلية أمنع من ذلك ، وأنتم قد ندمتم على مسيركم إلينا عندما رأيتم من جمعنا وعددنا وكثرة سلاحنا ، فلو أنكم أردتم أن ترجعوا إلى بلادكم لم تقدروا على ذلك ، لأنكم قد لججتم في هذا البحر حتى وصلتم إلينا ، ولسنا نحب أن تعتادوا هذه العادة علينا في قلتكم وكثرتنا ، لأنه لم يطمع أحد من أعدائنا في هذا منا ولم يغزنا قط أحد من قبلكم إلا ذل وخضع ، وإنا لنغزو جميع أهل الأديان في ديارهم فنسبيهم ونذلهم ونأتي بهم إلى جزيرتنا هذه أسارى أذلة صاغرين ، وأما ما عرضتموه علينا من اتباع دينكم فهذا ما لا يكون ولست أفارق ديني أبدا ، وأما ما سألتموه من الجزية فقد يجب عليكم أن ترضوا مني بالمساكتة والمسالمة أن لا أغزو في بلادكم . فلما فرغ